Headlines
Published On:2015/11/18
Posted by Unknown

تاريخ المجاعات في مصر

الجوع! يا له من قاتل محترف يعرف من اين يمسك فرائسه، لم يتوقف عند بلد او زمن بل طار محلقا فوق كل شبر على الأرض آخذا في جز الرؤوس لا يعرف رحمة و لا يفرق بين طفل او كهل، حتى انه لا يفرق بين انسان او حيوان.

ئضرب الجوع كل عام بلادا شتى فيقضي على ارواح وامال لا يترك خلفه الا اجساد ضحاياه يأكلها الدود، يستوطن بلادا ولا يظعن عنها وكأنه ملكها حاكم اراضيها يسير امور من فيها. هكذا هو الجوع!

وقد عرفت مصر الجوع، وتزوقه اهلها حتى يومنا هذا.
فقد شهدت مصر عدة مرات سنين قحط وجوع وفقر، ويذكرني بعضها:

1- اول المجاعات على أرض مصر:

شهدت مصر اول مجاعة في عصر سيدنا نوح وكان حاكم مصر وقتها افروس بن مناوش ويعتر مناوش الملك السابع عشر في ملوك مصر، كما يذكر لنا المقريزى فى كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، وكان سبب الغلاء ارتفاع الأمطار وقلة ماء النيل فعقمت البهائم وغلت الأسعار.

2- عصر سيدنا يوسف:

وهذه المجاعة التي يقصها رب العزة في محكم اياته في سورة يوسف، فقد ضربت مصر نقص في الزروع والمال وعاشت مصر سبع سنين من القحط وكان تأويل رؤية فرعون هي النجاة الوحيد.

3- 398 هجرية:

في عهد الحاكم بأمرالله وهو الوقت الذي اشتد به الناس فقرا  وجوعا في ظل ما كان اخرون يملكون غلالا كثيرة يرفضون بيعها الى ان يرتفع ثمنها، فاشتكى الناس امرهم الى الحاكم وما به الا ان ينزل وعيده بمن يخزن الغلال في بيته فيخطب في الناس "أنا ماضٍِ إلى جامع راشدة (اسم قبيلة نزلت فى هذا المكان فى أثناء الفتح الإسلامى لمصر)، فأقسم بالله لئن عدت فوجدت فى الطريق موضعًا يطؤه حمارى مكشوفا من الغلة لأضربن رقبة كل من يقال لى إن عنده شيئا منها ولأحرقن داره وأنهبن ماله".
اي اراد بكل صاحب غلال ان يضعها في الطريق امام الناس ليأخذ منها كل واحد يحتاج قدر حاجته، وبالفعل كان هذا وخير التجار بين امرين اما ان يبيعوا الغلال بثمن يقدره الحاكم ولا يظلم احد فيه، او يجبرهم على عدم بيعه الى العام المقبل، فقبلوا ببيعه كارهين، وانتهت الازمة على ذلك.

4- 457 هجرية:

في هذه السنة شهدت مصر واحدة من ابشع المجاعات التي مرت بها اي بلد وكانت في حكم المستنصر وقد سميت باسم الشدة الكبرى، واستمرت لسبع سنوات، فقد بدأت هذه المجاعة بارتفاع في الاسعار دون ان يتدخل المستنصر او احد من رجال دولته الى ان وصل سعر رغيف العيش الى 15 دينار واردب القمح الى 80 دينار، حتى العيش لم يكن موجود، فازداد الناس جوعا حتى اكل بعضهم الكلاب واكلت الكلاب صغارهم، عم الخراب والفوضى البلاد حتى هربت الاميرات الى العراق فماتت بعضهن جوعالاوهن في الطريق.
ويذكر احد الروايات التي تعبر عن بشاعة الامر؛ انه في احد الليالي اكلت مجموعة من الاشخاص حمار الوالي، فتمت معاقبتهم بشنقهم وتعليقهم ولكن عند الصباح وجدوا هذه المجموعة أُكلت!
ويذكر ايضا انه كانت الكلاب تباع عندما قلت فكان الكلب يباع ب 5 دينار ليأكل.
وايضا انه "تحرذ الناس، أى أخذوا حذرهم؛ فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه؛ ونشلوه فى أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه" كما قال المقريزي.
بل زاد الامر سوءا الى قصر المستنصر نفسه اذ باع كل ما في بيته من اثاث وحلي وفرش حتى جلس على حصير، وقد باع ما في قبور اجداده من ذهب.
امرأة من أرباب البيوتات أخذت عقدًا لها قيمته ألف دينار؛ وعرضته على جماعة فى أن يعطوها به دقيقا. وكل يعتذر إليها ويدفعها عن نفسه إلى أن يرحمها بعض الناس وباعها به تليس دقيق بمصر. وكانت تسكن بالقاهرة، فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحميها من النهاية فى الطريق. فلما وصلت باب زويلة تسلمته من الحماة له ومشت قليلا، فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهبًا، فأخذت هى أيضا مع الناس من الدقيق ملء يديها. ثم عجنته وشوته، فلما صار قرصة أخذتها معها. وتوصلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع؛ رفعت القرصة على يديها بحيث يراها الناس؛ ونادت بأعلى صوتها: «يا أهل القاهرة! ادعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه؛ وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت على هذه القرصة بألف دينار». فلما علم المستنصر بذلك استاء وأحضر الوالى وتوعده، وأقسم له بالله إن لم يظهر الخبز فى الأسواق وينحل السعر، ضرب رقبته، وانتهب ماله. فخرج من بين يديه، وأخرج من الحبس قومًا وجب عليهم القتل، وأفاض عليهم ثيابًا واسعة وعمائم مدورة وطيالس سابلة (أى أنه ألبسهم ملابس تجار القاهرة فى ذلك الوقت).. وجمع تجار الغلة والخبازين والطحانين وعقد مجلسًا عظيمًا، وأمر بإحضار واحد من القوم، فدخل فى هيئة عظيمة حتى إذا مثل بين يديه قال له: «ويلك! أما كفاك أنك خنت السلطان، واستوليت على مال الديوان، إلى أن خربت الأعمال ومحقت الغلال، فأدى ذلك إلى اختلال الدولة وهلاك الرعية؟ اضرب رقبته!»، فضربت فى الحال، وتركه ملقى بين يديه. ثم أمر بإحضار أحد آخر منهم، فقال له: «كيف جسرت على مخالفة الأمر لما نهى عن احتكار الغلة، وتماديت فى ارتكاب ما نهيت عنه، إلى أن تشبه بك سواك، فهلك الناس؟ اضرب رقبته!»، فضربت فى الحال. واستدعى آخر، فقام إليه الحاضرون من التجار والطحانين والخبازين وقالوا: «أيها الأمير! فى بعض ما جرى كفاية. ونحن نُخرج الغلة، وندير الطواحين، ونعمر الأسواق بالخبز، ونرخص الأسعار على الناس، ونبيع الخبز رطلا بدرهم». فقال: «ما يقنع الناس منكم بهذا»، فقالوا: «رطلين». فأجابهم بعد الضراعة، ووفوا بالشرط. وهكذا مرت تلك المجاعة.

5- رمضان سنة 595هـجرية:

 كانت المجاعة على أشدها والمآسي التي تحدث بسببها لايصدقها عقل،ولولا أن البغدادي كان في القاهرة في ذلك الوقت و قص ما شاهده و هو المعروف بصدقه و اتزانه لولا ذلك ما صدق القارئ ما حدث في رمضان 595هـ وما بعده... انها عبرة لمن يعتبر! و يسرد لنا عبد اللطيف البغدادي بكل الم ما عاينه و رآه فيقول في كتابه القيم "الإفادة و الإعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" يقول: و اشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث ،ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل ، ورأيت صغيراً مشوياً في قفة وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وإمرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما .." و يصف مشاهداته المروعة فيقول " ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم فأكل وبقى قفصاً كما يفعل الطباخون بالغنم.. ولقد رأيت إمراة يسحبها الرعاع في السوق ظفروا معها بصغير مشوي تأكل منه ،وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره ، فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه، ورأيت قبل ذلك بيومين صبياً نحو الرهاق مشوياً وقد أخذ به شابان أقرَا بقتله وشيِّه وأكل ْ بعضه .." . و يحكي قصص مزعجة في هذا السياق وكلها تدور حول فقراء جوعى من رجال ونساء وقد انتشروا في شوارع القاهرة يخطفون الصغار ويأكلونهم ، وقد أصابهم الجوع بالسعاروالجنون، وأنه إذا عوقب أحدهم بالحرق ما لبث أن يأكله الآخرون..!! . و يقول تلك العبارة المؤلمة " ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضاً حتى تفانى أكثرهم ، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير، منهم من يفعله احتياجاً ومنه من يفعله استطابة". ثم يحكي عن الحيل التي كان يخترعها بعضهم للإيقاع بالناس وأكلهم .. ويقول أن الوالي حكي له أن إمراة دعيت إلى وليمة فوجدت لحماً كثيراً فاسترابت في الأمر وسألت بنتاً صغيرة من المنزل سراً عن ذلك اللحم فقالت:إنها فلانة السمينة دخلت لتزورنا فذبحها أبي وها هي معلقة.. فهربت السيدة إلى الوالي فهجم على المنزل ولكن هرب صاحب البيت . ويروي من الغرائب أن إحدى النسوة الأثرياء كانت حاملاً وكان جيرانها من الصعاليك فكانت تشم عندهم رائحة طبيخ فاشتهت منه كما هي عادة الحبالى فأكلت منه وأحبته وعرفت منهم أنه لحم آدمي فأدمنته وصاروا يتصيدون لها وغلبها السعار ، واكتشف أمرها في النهاية فحبست وأرجئ قتلها احتراماً لزوجها الغائب حتى تضع حملها.. و يقول عبد اللطيف البغدادي أنه يحكي ما يشاهده دون قصد، وأن ما رآه أكثر مما يحكيه وأنه كثيراً ما كان يفر مما يرى من بشاعته. و يقول إن المضبوطات في بيت الوالي كانت تشتمل على كوارع ورءوس آدمية وأطراف مطبوخة في القمح وغيره!!! و يقول وكثيراً ما يدعي بعضهم أنه يأكل ولده!و زوجه أو حفيده ولئن يأكله هو خير من أن يأكله غيره !! . و يقول ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه البلية وجدت في جميع بلاد مصر من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والاسكندرية ودمياط وسائر النواحي . و تحدث عن قطع الطريق وقتل المسافرين وعن موت الفقراء في الطرقات والجثث العائمة في النيل ، وخلو القرى والمدن من السكان ، وتحدث عن بيع الأولاد والبنات بدراهم معدودة ،حتى تباع الفتاة الحسناء بدراهم ، ويقول أنهم عرضوا عليه فتاتين مراهقتين بدينار واحد ، وأنه رأى فتاتين إحداهما بكر يُنادى عليهما باحدى عشر درهماً ، وقد سألته إمرأة ان يشتري إبنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فقال لهم إن ذلك حرام فقالت له: خذها هدية .!! ويقول إن كثيراً من النساء والولدان أصحاب الجمال كانوا يترامون على الميسورين ليشتروهم أو يبيعوهم .. ووصل بعضهم إلى إيران.. و في هذه المحنة برز بعض الفجرة الأغنياء اشتروا الأحرار الجوعى واسترقوا النساء الحرائر بأقل الأثمان ويحكي البغدادي أن بعضهم كان يفتخر بأنه اشترى خمسين بكراً أو سبعين..

6- 596 هجرية:

واحدة من ابشع المجاعات التي حلت في عهد "العادل ابي بكر بن ايوب" وكان هذا في الدولة الايوبية، كان سبب ذلك توقف النيل عن الزيادة وقصوره عن العادة.. وتكاثر مجىء الناس من القرى إلى القاهرة بسبب الجوع وانعدام القوت.. ووصل الأمر إلى درجة من الفظاعة والبشاعة لا يتصورها عقل ولا يتقبلها منطق.. فقد أكل الناس أطفالهم.. وعلى حد تعبير المقريزى «فكان الأب يأكل ابنه مشويًّا ومطبوخًا، والمرأة تأكل ولدها». وكان الرجل يدخل إلى بيت جاره «فيجد القدر على النار، فينظرها حتى تتهيأ فإذا هى لحم طفل». تخيل هذه الصورة ومدى قسوتها وصعوبتها على النفس والمشاعر الإنسانية.

7- تركنا لك المجال لتخبرنا متى ستحدث المجاعة السابعة في مصر؟


كتبت: سامية

About the Author

Posted by Unknown on 7:11 PM. Filed under . You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0. Feel free to leave a response

By Unknown on 7:11 PM. Filed under . Follow any responses to the RSS 2.0. Leave a response

0 التعليقات for "تاريخ المجاعات في مصر"

Post a Comment

زوار الموقع

    Blog Archive